الجصاص
3
أحكام القرآن
( سورة آل عمران ) بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) إلى آخر القصة . قال الشيخ أبو بكر : قد بينا في صدر الكتاب معنى المحكم والمتشابه . وأن كل واحد منهما ينقسم إلى معنيين : أحدهما يصح وصف القرآن بجميعه ، والآخر إنما يختص به بعض القرآن دون بعض ، قال الله تعالى : ( الر كتاب أحكمت آياته ) [ هود : 1 ] وقال تعالى : ( الر تلك آيات الكتاب الحكيم ) [ يونس : 1 ] فوصف جميع القرآن في هذه المواضع بالإحكام ، وقال تعالى : ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ) [ الزمر : 23 ] فوصف جميعه بالمتشابه ، ثم قال في موضع آخر : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات عن أم الكتاب وأخر متشابهات ) فوصف ههنا بعضه بأنه محكم وبعضه بأنه متشابه ، والإحكام الذي عم به الجميع هو الصواب والإتقان اللذان يفضل بهما القرآن كل قول . وأما موضع الخصوص في قوله تعالى : ( منه آيات محكمات هن أم الكتاب ) فإن المراد به اللفظ الذي لا اشتراك فيه ولا يحتمل عند سامعه إلا معنى واحدا ، وقد ذكرنا اختلاف الناس فيه إلا أن هذا المعنى لا محالة قد انتظمه لفظ الإحكام المذكور في هذه الآية ، وهو الذي جعل أما للمتشابه الذي يرد إليه ويحمل معناه عليه . وأما المتشابه الذي عم به جميع القرآن في قوله تعالى : ( كتابا متشابها ) [ الزمر : 23 ] فهو التماثل ونفي الاختلاف والتضاد عنه . وأما المتشابه الخصوص به بعض القرآن فقد ذكرنا أقاويل السلف فيه ، وما روي عن ابن عباس " أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ " فهذا عندنا هو أحد أقسام المحكم والمتشابه ، لأنه لم ينف أن يكون للمحكم والمتشابه وجوه غيرهما وجائز أن يسمى الناسخ محكما لأنه ثابت الحكم ، والعرب تسمي البناء الوثيق محكما ، ويقولون في العقد الوثيق روى الذي لا يمكن حله محكما ، فجائز أن يسمى الناسخ محكما ، إذ كانت صفته الثبات والبقاء ويسمى المنسوخ متشابها من حيث أشبه في التلاوة المحكم وخالفه في